الحوار نشاط عقلي وفكري يبذله “المتحاورون” أثناء تقديم الأدلة والحجج والبراهين لفلسفة بعينها أو لموضوع عام من خلال تبادل الآراء بحرية للوصول إلى نقطة اتفاق…أو ربما اختلاف حول مسألة تهم الأطراف المنخرطة في عملية التبادل هذه.
وممَا نشهده اليوم من تطور في وسائل الاتصال ومن سهولة مفرطة في الوصول إلى مصادر المعرفة والمعلومات والاخبار, ندرك جلياً كم هو هائل بحر الأفكار والآراء الذي يسبح به هذا العالم. كل منا له فلسفة ووجهة نظر ينفرد بها عن غيره. لم يعد ممكناً تصور أن رأياً ما قد يتطابق في كل تفاصيله مع رأي آخر تطابقاً تاماً. هي إذاً بلورات الثلج التي لا حصر لها ولا عد, ولا سبيل لواحدة أن تشبه الأخرى ولكنها تلتقي جميعها في كونها تبدو للناظر بعينه مادة واحدة. اختلاف في الجوهر, وائتلاف في المظهر.
كذا هو مجتمع الشرق. على الرغم من بساطة ووضوح طابعه الشكلي إلا أنه عالم يموج بالتنوع والاختلاف. ومن خلال اطلاعي اليومي على مواقع التواصل الاجتماعي, لا تغيب عني حقيقة أن بعض أفراد المجتمعات الشرقية لا تجيد لغة الحوار وتبادل الأفكار, وكيف أن الأفكار عرضة دائماً-هي وأصحابها- للإقصاء والتحقير إن لم تبد هذه الأفكار تشابهاً مع السائد الثقافي والمجتمعي. ومن هنا أبدأ بعرض فحوى مقالتي; هل انتهينا من العصر الذي أدار فيه الشرق ظهره إلى الغرب لنبدأ عصراً يدير فيه الشرق ظهره إلى الشرق؟!
كثيرة هي الأفكار النقية التي لا يراد لها أن ترى النور إن كانت بعيدة عن مسلَمات المجتمع. لأن كلفة إقصائها أقل بكثير من كلفة المناقشة والاطلاع والسؤال عن مدى صواب الفكرة المطروحة نحن في الشرق تغيب عنا لغة وأسلوب حوار مع الآخر “الشرقي” دون أن نطلق في وجهه حلول الإقصاء وإلقاء المسميات والألقاب حتى يتوب إلى رأينا الذي نطمئن إليه. وليس الآخر بأفضل حالاً, فهو يقصي رأينا ويسفهه بنفس الحماسة لأننا بعيني رأيه وضميره ذلك الآخر الذي يختلف عنه.
إن تهمة الإقصاء الفكري هي تهمة ملتصقة بالجماعات المتطرفة فكرياً, وهي تهمة صحيحة كل الصحة. فمن طبيعة المتطرف أنه يرى في نفسه صوت الحق القاطع ونور البرهان الساطع, وأن نظرياته هي المشروع الوحيد من نوعه التي تثري حياة الفرد وتبني المجتمع المثالي. ولا قبول لديه لأي نقاش في أدبياته التي ينتجها أو تنتجه. وقد يبلغ منه التطرف إنكار حقوق أساسية على مخالفيه. قد يكون أسوأها إنكار حق الوجود والحياة.
مشكلة هذه الجماعات المتطرفة هي أنها لا تفهم الإنسان كمنتج طبيعي من صنع الأفكار والاعتقادات التي تكسو العقل طبقة تلو الأخرى بامتداد الزمن , ولا تقبل حقه في الإبحار والتنقل بين فلسفة وأخرى. ولا ترى فيه كياناً ذا إرادة حرة ومختارة في فتح مدارك الأفكار على آفاق جديدة بحثاً عن الحقيقة, وبالتالي فهي تنكر عليه حقه في اتباع نهج التجربة والخطأ قبل الوصول إلى الاستنتاج الأفضل, مقايضة ذلك بوصفتها السحرية المجربة والتي هي بزعمهم الدواء لكل علة.
إن الأفكار والفلسفات بوصفها منتجاً بشرياً, عرضة للصواب والخطأ وفق معايير قد يستحيل الاتفاق عليها أساساً. لكن يبقى لنا من هذا الواقع أن نقبل واجبنا في فتح مداركنا وحواسنا لاستقبال الفكرة ومناقشتها, ومن ثم تحليلها والبحث عن مكامن القوة والضعف فيها وتبادل وجهات النظر حولها, والبحث بإخلاص عن جدوى استثمار هذه الأفكار في إثراء المجتمع. بعدها يصبح من الآمن القبول بالفكرة أو رفضها بعيداً عن التعنت والكلفة الباهظة للصدام والتجريح والإقصاء.
عندما يغيب عنا أدب الحوار مع الآخر الموصوف بالتطرف, فإننا أنفسنا قد نصبح عرضة للوقوع في ذات المشكلة. وعندما نخفق كأفراد مجتمع واحد في الحوار بعضنا مع بعض فإننا قد نساهم عن غير قصد في تخصيب بيئة للتطرف وفتح باب للفرقة وتمهيد الطريق أمام الجماعات المتطرفة فكرياً بانتهاز فرصتها في اختراق الأجواء المتوترة وتوسيع الصدع ببث السموم ونشر الفتن لحرق نسيج مجتمعنا الأصيل بثقافته, والموصوف باحتفاظه بهويته مع انفتاحه على ثقافات الآخرين وتسامحه معهم.
الحوار كلمة نعرفها لفظاً, نتمناها جهراً. مع هذا ترانا ندعو إليها سراً.. وبدعوى اتفاقنا على تعاملنا معها وفق ما سبق, ندعي أننا ..نفهمها
لنجعل من الحوار اسلوب حياة نثري بها حياتنا وحياة من حولنا، نطور من خلاله الحاضن الفكري والثقافي الذي يجمعنا, ونحصن به مجتمعنا وأنفسنا من الافكار الهدامة واحتمالات التشتت. كي يبقى الشرق شرقاً واحداً, ولا يكون شرقان.
