استوقفني مساهمة “سوبر مان” تلك الشخصية الخيالية في دحر القوات النازية خلال الحرب العالمية الثانية، والقضاء على العنصرية بولاية جورجيا قبل ظهور الحركة المدنية في الولايات المتحدة الامريكية التي طالبت بتحقيق الحياة الكريمة للإنسان الأسود.
خلال الحرب العالمية الثانية أرادت وزارة الدفاع الأمريكية رفع معنويات جنودها المقاتلين في جبهات متفرقة بين قارتي أوروبا واسيا، فلجأت الى كتّاب مجلة سوبر مان لصياغة قصص محورها وقوف شخصية سوبر مان إلى جانب الجنود الأمريكيني لمواجهة القوات النازية، وإلحاق الهزائم بهم، وبحسب شهادات المؤرخين العسكرين لهذه الحقبة، فإن هذه السلسلة القصصية أسهمت في رفع معنويات جنود التحالف وإعطائهم الدافع المعنوي للقتال بكل قوة لمواجهة القوات النازية وتحرير أوروبا من قبضة النازية.
وبعد عودة الجنود الأمريكيين إلى ديارهم، كانت ولاية جورجيا الأمريكية تواجه بعض التحديات الأمنية الداخلية بسبب ظهور ما سمّي بمجموعة فرسان كو كلوس كلان المعروفة ب KKK على السطح، وهي مجموعة متأثرة بالفكر النازي المنادي بسيادة العرق الأبيض على الأعراق الأخرى بما فيها الأمريكان السود في هذه الولاية.
وللحد من نشاط هذه المجموعة العنصرية، لجأ مكتب التحقيقات الفدرالية FBI إلى زرع عميلها استوز كندي بين صفوف هذه المجموعة العنصرية، لمعرفة تحركاتهم ولوضع خطط أمنية تحد من إرهاب هذه المجموعة للمجتمع المدني وللإنسان الأسود بوجه الخصوص في هذه الولاية.
لم تكتب النجاح لهذه الخطط الأمنية بسبب أن أعضاء هذه المجموعة العنصرية توغلوا في المفاصل الحيوية لولاية جورجيا، ابتداء من الجهاز الشرطي وصولا إلى القضاء، وهو ما أسهم بتسريب المعلومات والخطط الأمنية، علاوة على التدخل في عمل القضاءة المنتمين لهذه المجموعة لاصدار أحكام قضائية مخففة ضد مرتكبي الجرائم العنصرية وتفضيل الرجل الأبيض على الرجل الأسود أمام القانون.
وبسبب استشراء الفساد الأخلاقي بين طيات المؤسسات التنفيذية والتشريعية لولاية جورجيا، وعدم نجاح الخطط الأمنية على القضاء على هذه المجموعة المتطرفة، أصبح العميل كندي يعيش نوعا من الصراع الداخلي، بين أخذ القانون بيده أو التحول إلى قانون الغاب، أو اللجوء إلى القضاء على هذه المجموعة عن طريق الدستور والتشريعات.
وفي ذات يوم وخلال تجوله بين أطراف المدينة رأى كينيدي بعض الأطفال الذين يلهون مع بعضهم البعض في حديقة عامة، وتبيّن له كيف أن هذه البراءة لا تعرف بعد معنى العنصرية والتفرقة، حيث أن ما يجمعهم هو حب الحياة بغض النظر عن عرق أو لون، فأنار هذا المنظر فكره، حيث تيقّن أنه إذا أراد التغيير فيجب عليه تغيير نظرة المجتمع ضد مجموعة فرسان كو كلوكس كلان، فوردت له فكرة الاتصال بالإذاعة المحلية التي تبث قصص سوبر مان وطلب منهم المساعدة بكتابة قصص تدور حول مواجهة سوبر مان لهذه لمجموعة وخطرهم على الحياة المدنية والحلم الامريكي.
وافقت الإذاعة على كتابة وإذاعة قصص المواجهة وتصدي سوبر مان لهذه المجموعة المتطرفة فكريا وعمليا بكونهم العدو الجديد للولايات المتحدة بعد القوات النازية، نجحت هذه السلسلة القصصية في تأجيج الرأي العام تجاه القضايا المتعلقة بالعنصرية وتغيير الرأي العام، وتحسس المجتمع المدني لهذه المجموعة من المتطرفين، والذي أدى الى تشتيت أعضاء هذه المجموعة، بالإضافة إلى التراجع الكبير الذي طرأ على عدد الجرائم العنصرية تجاه الرجل الأسود في ولاية جورجيا قبل ظهور الحركة المدنية المطالبة للقضاء على العنصرية في الولايات المتحدة الامريكية.
نستخلص الحقائق التالية من دور سوبر مان الخيالي من خلال هذه الواقعتين، أن الإعلام هو العمود الرابع لبناء مجتمع قوي يستطيع تحصين جبته الداخلية ضد الأفكار الفاسدة، وأن الإعلام صناعة حيوية وحساسة ووسيلة فعالة في نشر الوعي وبناء جيل يؤمن بقضية سامية، كما أن له دور مهم في نشر الثقافة على المستويين المحلي والعالمي، وأن المحتوى الإعلامي يجب أن يكون فعلا بدلا من أن يكون ردة فعل لكسب ثقة الجمهور والراي العام.


